محمد حسين الذهبي
376
التفسير والمفسرون
المبدأ اللغوي في التفسير وأهميته لدى المعتزلة : كذلك نجد المعتزلة قد حرصوا كل الحرص على الطريقة اللغوية التي تعتبر عندهم المبدأ الأعلى لتفسير القرآن ، وهذا المبدأ اللغوي ، يظهر أثره واضحا في تفسيرهم للعبارات القرآنية التي لا يليق ظاهرها عندهم بمقام الألوهية ، أو العبارات التي تحتوى على التشبيه ، أو العبارات التي تصادم بعض أصولهم ، فنراهم يحاولون أولا إبطال المعنى الذي يرونه مشتبها في اللفظ القرآني ، ثم يثبتون لهذا اللفظ معنى موجودا في اللغة يزيل هذا الاشتباه ويتفق مع مذهبهم ، ويستشهدون على ما يذهبون إليه من المعاني التي يحملون ألفاظ القرآن عليها بأدلة من اللغة والشعر العربي القديم . فمثلا الآيات التي تدل على رؤية اللّه تعالى كقوله سبحانه في الآيتين ( 22 ، 23 ) من سورة القيامة « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » وقوله تعالى في الآية ( 23 ) من سورة المطففين « عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ » نجد المعتزلة ينظرون إليها بعين غير العين التي ينظر بها أهل السنة ، ويحاولون بكل ما يستطيعون أن يطبقوا مبدأهم اللغوي ، حتى يتخلصوا من الورطة التي أوقعهم فيها ظاهر اللفظ الكريم ، فإذا بهم يقولون : إن النظر إلى اللّه معناه الرجاء والتوقع للنعمة والكرامة ، واستدلوا على ذلك بأن النظر إلى الشيء في العربية ليس مختصا بالرؤية المادية ، واستشهدوا على ذلك بقول الشاعر : وإذ نظرت إليك من ملك * والبحر دونك زدتنى نعما ومثلا عندما يقرأ المعتزلي قوله تعالى في الآية ( 31 ) من سورة الفرقان « وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ » يجد أن مذهبه الذي يقول بوجوب الصلاح والأصلح على اللّه لا يتفق وهذا الظاهر من معنى الجعل ، ولكن سرعان ما يتخلص من هذه الضائقة العالم المعتزلي الكبير أبو علي الجبائي فيفسر « جعل » بمعنى بين لا بمعنى خلق ، ويستدل على ذلك بقول الشاعر :